عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
132
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
وقال أبو القاسم الجرجاني : إن الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافا للعبد السالك وهو بعد في السلوك غير واصل . لعل « الجرجاني » أراد أن السائر في الصفات لم يكن واصلا حتى يكون سائرا في الذات . وهو السير في اللّه بجذبات الألوهية عند فناء البشرية ، واضمحلال الروحانية . ثم اعلم أن الأصل في تزكية النفس ترقيها من مقاماتها ولها أربع مقامات : مقام الأمارية قوله تعالى : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] ومقام اللوامية ، قوله تعالى : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ( 2 ) [ القيامة : 2 ] ومقام الملهمية : قوله تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها . ومقام المطمئنة ، قوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ وأن ترقى النفس من مقاماتها على حسب مراتب التوبة ، كما سنبينه إن شاء اللّه وحده . الفصل العاشر في مراتب التوبة على حسب مقامات النفس وهي أربع مراتب : المرتبة الأولى : وهي النفس الأمارة . قال اللّه تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [ النور : 31 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » « 1 » وهذه مرتبة عوام المؤمنين وهي بترك المنهيات والقيام بالمأمورات وقضاء الفوائت ورد الحقوق والاستحلال عن المظالم والندم على ما جرى والعزم على أن لا يعود إلى ما منه انتهى وهذه توبة عن الأفعال والأقوال . المرتبة الثانية : الإنابة . وهي النفس اللوامة . قال اللّه تعالى : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ [ الزّمر : 54 ] وهذه مرتبة خواص المؤمنين من الأولياء . والإنابة إلى اللّه بترك الدنيا والزهد في ملاذها وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس بمخالفة هواها والمداومة على جهادها ف إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] ، يشير به إلى أن التوبة وتطهير النفس عن دنس الأوصاف الذميمة من نتائج محبة اللّه الأزلية بقوله يُحِبُّهُمْ [ المائدة : 54 ] وهذا كما قال رجل لرابعة : إني قد أكثرت من الذنوب والمعاصي ، فلو تبت يتوب عليّ ؟ فقالت : لا بل لو تاب عليك لتبت ، وذلك لأن العصيان من صفة الإنسان ، كما قال تعالى : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] .
--> ( 1 ) رواه ابن ماجة ، في سننه ، كتاب الزهد ، باب ذكر التوبة ، حديث رقم ( 4250 ) ورواه البيهقي في السنن الكبرى ، باب شهادة القاذف ، حديث رقم ( 20348 ) ورواه غيرهما .